التفاؤل

تفاءلوا بالخير تجدوه

مصاعب تنوء عنها الجبال

قرأنا و سمعنا جميعاً عما واجهه رسول الله صلى الله عليه و سلم من مصاعب جمة و حرب ضروس من كفار قريش لدعوته ، كانت حرب شاملة اجتماعية و نفسية و اقتصادية و عسكرية ، لم يترك كفار قريش درباً من دروب الحرب الا خاضوه ، فكانت المحن و الصعاب المستمرة ، و كانت عروض الترغيب و الترهيب ، التي أراد من خلالها كفار قريش صد الرسول صلى الله عليه  و سلم عن دعوته ، فلم ينالوا ما أرادوا و رد الله كيدهم في نحورهم .

قال تعالى : ” وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَ كَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ”

كانت حرب كفار قريش و من تبعهم من المنافقين ،شاملة على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ، و على من تبعه من المؤمنين و على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و من تلك الاتهامات التي اتهم بها هؤلاء المجرمون رسول الله صلى الله عليه و سلم و اتباعه  :

1- اتهام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنون :

و في ذلك نزل قول الله تعالى : ( وَ قَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) الحجر/6 .

2- اتهام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسحر :

و في ذلك نزل قوله تعالى : (وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) ص/4 .

3- اتهام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالكذب :

و في ذلك يقول الله تعالى : ( وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَ زُورًا ) الفرقان/4 .

4- اتهام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالإتيان بالأساطير :

قال تعالى : (وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا ) الفرقان/5 .

5-  اتهام رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن القرآن ليس من عند الله و إنما هو من عند البشر :

(وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) النحل/103 .

6- اتهام المؤمنين بالضلالة … (وَ إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ) المطففين/32 .

الشاهد أن كل هذه الاتهامات الباطلة و كل هذه المصاعب ، اضافة الى الحزن الذي أصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في فترات من حياته مثل عام الحزن ، لم يمنع رسول الله صلى الله عليه و سلم ، من أن يكون اكثر الناس تبسماً ، فهو البسام ذو الوجه الأنور  صلى الله عليه و سلم ، طب القلوب و دواؤها ، و شفاؤها من الأسقام ، بنهجه المستقيم و دعوته للصراط المستقيم ، صلى الله عليه و سلم تسليم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

لا عدوى و لا طيرة

التفاؤل من السنن النبوية التي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه و سلم، فبمجرد الحديث عن التفاؤل ، نتذكر رسول الله وما لاقاه من صعاب و مِحَن و معاملة سيئة من قومه ومن أهله ورغم ذلك كان صل الله عليه وسلم بشوش الوجه متفائل، يقول عبدالله بن الحارث الزبيري رضي الله عنه: “ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صل الله عليه وسلم”، فما هي فوائد التفاؤل؟ ولماذا حثنا عليه الرسول؟ ولماذا نهانا عن التشاؤم.

فوائد التفاؤل في حياة الانسان

أحسن الظن بالله بتفاؤلك

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم  يعجبه الفأل الحسنة أي الكلمة الطيبة ، كان يحب أن يكون سليم الصدر اتجاه اصحابه و من تبعه من المؤمنين ، ينهى عن القيل و القال و كثرة السؤال ، و كل ما يجلب الحقد و يثير الفتن بين الناس ، و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : « لا عدوى و لا طيرة، و يعجبني الفأل الصالح ، الكلمة الحسنة » [متفق عليه] ، و قال رسول الله صل الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ««قال الله جل و علا : أنا عند ظن عبدي بي ، إن ظن خيرًا فله، و إن ظن شرا فله » [متفق عليه]، فلا يجب أن ينفر أحد أحداً من رحمة الله الواسعة و لا يقنطه ، لأن الله رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما و من تفاءل بالخير و البشر  وجده حاضرا ، و تفاؤلوا بالخير تجدوه ، و دائماً هناك كلمة سائدة في الخليج ، ابشر ! بشرنا الله و اياكم بالجنة .

فحسن الظن بالله عبادة و ثقة في تصرف الله بعباده فهو أعلم بما ينفعنا منا، ويضرب لنا رسول الله صلى الله عليه أروع الأمثلة في التفاؤل في أصعب المحن، فعندما كان في غار حار هو و أبو بكر رضي الله عنه في غار حراء و المشركون يطاردونه يريدون قتله هو و صاحبه، و قلب أبي بكر ينتفض من الرعب فلو نظر أحدهم تحت قدميه لرآهم فهم هالكين لا محالة ، و الموت قاب قوسين أو أدنى ، و لكن انظر لحسن الظن بالله، يقول رسول الله صلى الله عليهلرفيق دربه أبي بكر مطمئناً و مبشراً : « يا أبا بكر ما ظنك باثنان الله ثالثهما ؟ » [أخرجه مسلم].

التشاؤم يسبب المرض و الموت المبكر للانسان

ان المتشاؤم يجلب لنفسه الهم و الغم و الحزن ، بكثرة توقعاته السيئة و نظرته السوداء لما حوله ، و لا شك أن هذا سيجلب له الامراض النفسية و الجسدية ، و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: « لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنتين في حب الدنيا و طول الأمل» [صحيح البخاري و مسلم]، فالتفاؤل و القلب المطمئن هو قلب شاب مهما طال عليه الزمن، تشير بعض الدراسات العلمية الى أن التفاؤل يطيل عمر الإنسان بمعدل سبع سنوات و نصف و هو ما أكد عليه الأطباء جميعا : ” بأن التفاؤل عامل قوي يساعد على طول الحياة، و هو ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه من 1500 عام ، أن التفاؤل و التمسك بالحياة يمنح القلب الشباب الدائم .

تبسمك في وجه أخيك صدقة !

ان العبوس و الغلظة لن يجلب محبة الناس و لا احترامهم ،قال تعالى :  ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159) “.

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : « تبسمك في وجه أخيك صدقة »، فهذا الدين هو دين الكرم ودين السماحة يحث المسلم على التبسم في وجه أخيه ويكافئ كل من يتبع هذه السنة العظيمة، بالحسنات، فلا تبخل على نفسك بالمزيد والمزيد منها، وليكن لك في رسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة، فما وجد رسول الله صل الله عليه وسلم إلا متبسمًا بشوشًا، يبتسم في وجه الجميع تقول عنه السيدة عائشة رضي الله عنه: ” كان ألين الناس، و أكرم الناس، و كان رجلًا من رجالكم إلا أنه كان ضحاكًا بسامًا ” [أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده]

تفاؤلك سر نجاحك و تفاؤلوا بالخير تجدوه

دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم على شاب فسأله عن حاله فقال له: «كيف تجدك ؟» قال: و الله يا رسول الله إني أرجو الله و أخاف ذنوبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : « لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو و آمنه مما يخاف » فالرجاء و الأمل في الله هو ثقة العبد في خالقه على الرغم من ذنوبه، و كرم الله عز و جل يأتي في تحقيق رجائه وأن يأمنه شر ما يخاف في الدنيا والآخرة.

النهي عن التشاؤم

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «لا عدوى و لا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة» [متفق عليه]، {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [سورة آل عمران: 154] فالتشاؤم من سوء الظن بالله والطيرة من الشرك والعياذ بالله، قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «الطيرة شرك» [أخرجه أحمد] والتوكل على الله وحده وحسن الظن بالله هو دليل النجاة من هذين الأمرين، فليس المسلم بالمتشائم ولا المتطير ولنا في رسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [سورة الأحزاب: 21]، ولم يرد عن رسول الله يومًا أنه كان عابسًا أو متشائمًا بل كان يبشر بالنصر والعزة وهو في أشد المحن، فكن متفائل و تفاؤلوا بالخير تجدوه و ليكن لك في رسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة.

مواقف أضحكت رسول الله صلى الله عليه و سلم

موقف عن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه

  • علي بن ربيعة قال شهدت عليًّا أتى بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله ثلاثًا. فلما استوى على ظهرها قال : الحمد لله، ثم قال : {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَ مَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [سورة الزخرف: 13-14]، ثم قال: الحمد لله ثلاثًا، و الله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم ضحك. قلت: من أي شيء ضحكتَ يا أمير المؤمنين ؟! قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم صنع كما صنعتُ ثم ضحك ، فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟! قال : « إن ربك ليعجب من عبده إذا قال : رب اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب غيرك ».

قد أصبتم اقسموا و اضربوا لي معكم سهمًا

  • ذهب جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر و مروا على قبيلة عربية و لم يكن معهم طعام ، و رفضت القبيلة إطعامهم على الرغم من أن عادة العرب غير ذلك، و لدغت عقرب قَدَم كبيرهم ، فسألوهم: هل منكم أحد يرقي من لدغ العقرب؟ فقال واحد منهم: نعم، فقرأ عليه فاتحة القرآن، فشُفي الرجل، وأعطوهم أغنامًا، فرفضوا قبولها، حتى يعودوا إلى رسول الله فذكروا الحادثة له، فابتسم ثم قال: « قد أصبتم اقسموا و اضربوا لي معكم سهمًا  » فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم .

اللهم حوالينا و لا علينا

  • عن أنس رضي الله عنه، أن رجلاً جاء إلى النبي صل الله عليه وسلم يوم الجمعة و هو يخطب بالمدينة، فقال: قحط المطر فاستسق ربك، فنظر إلى السماء و ما نرى من سحاب، فاستسقى فنشأ السحاب بعضه إلى بعض، ثم مُطِرُوا حتى سالت مثاعب المدينة، فما زالت إلى الجمعة المقبلة ما تقلع، ثم قام ذلك الرجل أو غيره و النبي صل الله عليه وسلم يخطب، فقال: غرقنا فادع ربك يحبسها عنا فضحك ، ثم قال: « اللهم حوالينا و لا علينا ».

حقيقة لم نتأكد من صحة الاحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما سبق ، و لكن يمكن التأكد من صحة الاحاديث من اهل العلم الثقات أو البحث عن مدى صحة هذه الاحاديث .

لا شيء اجمل من غسل وجه الحزن
بابتسامة،و إطفاء الضيق بالاستغفار،
ابتسم ليس بالضروره فرحا، انما،
ثقة و تفاؤل بأن الله لن يخيب ظنك !

نسأل الله عز و جل لنا و لكم التوفيق .

و نسعد بتعليقاتكم و مشاركاتكم معنا

أضف تعليق