تفسير آية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَ أَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ

قال تعالى في محكم كتابه العزيز :
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ” (14) سورة التغابن
فكيف يكون الزوج او الزوجة و الابناء عدوٌ للانسان ؟
و الله عز و جل يقول في محكم كتابه العزيز : “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ” (46) الكهف
و رد أن هذه الاية الكريمة نزلت في عوف بن مالك الأشجعي ، فقد قال ابن عباس : نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي ، شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده ، فنزلت .
ذكره النحاس .
و حكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة ” التغابن “ كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات : ” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم “ نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه فقالوا : إلى من تدعنا ؟ فيرق فيقيم ، فنزلت :
” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم “ الآية كلها بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي .
وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة .
وروى الترمذي عن ابن عباس – وسأله رجل عن هذه الآية :
 ” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم “ – قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم ، فأنزل الله تعالى :
 ” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم “ الآية .
هذا حديث حسن صحيح .
روى الطبري عن عكرمة في قوله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم “ قال : كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له أهله : أين تذهب و تدعنا ؟ قال : فإذا أسلم وفقه قال : لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر , فلأفعلن ولأفعلن ; قال : فأنزل الله عز وجل : ” وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم “ .
وقال مجاهد في قوله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم “ قال : ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم .
فالآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل و الولد. و خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم .
و في تفسير ابن كثير أن الله سبحانه و تعالى يُخبرفي هذه الآية عن الأزواج و الأولاد، بإن منهم من هو عدوٌ للانسان ، بمعنى: أنه يلتهى به عن العمل الصالح، كما في قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون).
ولهذا قال ها هنا : (فاحذروهم) قال ابن زيد : يعني على دينكم .

وذكر مجاهد في تأويل قوله تعالى: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم).

انهم يحملون الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبهم إلا أن يطيعهم .
و مجمل التفسير لهذه الآية الكريمة ، يشير الى أنه متى كان الزوج أو الولد ، مانعا عن الخير دافعا للشر .
فهو عدو للانسان . يجب الحذر منه .
فالزوج و الولد ليس عدوا لذاته ، و لا يكون الانسان عدوا لذاته . بل لفعله.
فمتى كان الولد رحيما و بارا بوالديه و يأتمر بأمرهم متى أمروه .فهو قرة عين لهم .
و كذلك الزوج او الزوجة . و لا يجوز ان نعتبر ان الآية خاصة بالزوجة دون الزوج ! فقد تكون المرأة مؤمنة و زوجها ليس كذلك او العكس.
و اما قوله تعالى في محكم كتابه العزيز :
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ” (46) الكهف
فهو ليس مدحا للمال و الولد كما يردد العامة . و الاية الكريمة توضح ان الباقيات الصالحات من العبادات و الاعمال الصالحة. هي ما يبقى و ينفع الانسان في اخرته .
قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدوا لذاته وإنما كان عدوا بفعله .
فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا , ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة .
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك فخالفه فهاجر ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل , فحق على الله أن يدخله الجنة ) .
وقعود الشيطان يكون بوجهين : أحدهما : يكون بالوسوسة .
والثاني : بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد و الصاحب .
فان كان الزوج او الولد يعين على الخير فهو خير صاحب في هذه  الدنيا . اما ان كان يعين على الشر و الاثم، و يعين الشيطان فهو من قرناء السوء. الذين يجب الحذر منهم. و هم من الذين شملتهم الاية الكريمة بلفظ : العدو .
 قال الله تعالى : ” وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم و ما خلفهم “ [ فصلت : 25 ] .
و في حكمة عيسى عليه السلام : من اتخذ أهلا و مالا و ولدا كان للدنيا عبدا .
وفي صحيح الحديث الشريف بيان أدنى من ذلك في حال العبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد القطيفة تعس وانتكس و إذا شيك فلا انتقش ) .
معنى : و اذا شيك فلا انتقش.
أي :
قوله : ( وإذا شيك فلا انتقش ) شيك : بكسر المعجمة وسكون التحتانية بعدها كاف ، وانتقش : بالقاف و المعجمة ، و المعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش ، تقول نقشت الشوك إذا استخرجته .
و في الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده لأن من عثر فدخلت في رجله شوكةٌ فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة و السعي في تحصيل الدنيا .
و لا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم , ولا همة أخس من همة ترتفع بثوب جديد .
كما أن الرجل يكون له ولده و زوجه عدوا كذلك المرأة يكون لها زوجها  عدوا بهذا المعنى بعينه .
وعموم قوله : ” من أزواجكم “ يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية .والحذر على النفس يكون بوجهين : إما لضرر في البدن ,، وإما لضرر في الدين .
وضرر البدن يتعلق بالدنيا ،وضرر الدين يتعلق بالآخرة .
فحذر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره به .فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم “
ننوه الى ان القرآن الكريم و تفسيره علمٌ له اصول . و لا يجوز ان يقول كل انسان برأيه .
و على العوام طلب العلم من اهل العلم. و معرفة تفسير الايات الكريمة كاملة . و عدم ترديد اقوال غير صحيحة حول الآيات القرآنية الكريمة . ففي هذا تقول على الله عز و جل .
و قد يظن انسان انه يفعل الخير و هو ينقل تفسير خاطىء للآيات الكريمة . و لكنه يضر و لا ينفع. و يأثم و لا يؤجر.
و الله تعالى اعلة و اعلم

أضف تعليق