وجدتُ سكوتي متجراً فلزمتهُ

وجدتُ سكوتي متجراً فلزمتهُ .. إذَا لَمْ أجِدْ رِبحاً فَلَسْتُ بِخَاسِرِ
وَمَا الصَّمْتُ إلاَّ في الرِّجَالِ مَتَاجرٌ …..وتاجرهُ يعلو على كل تاجرِ

ان الصمت يداري عيوب الانسان ، و يقلل من خطأه و زلله ، و ينجيه بين العقلاء ، و يداريه بين السفهاء !
فالعاقل لا يقع بعيب الثرثرة و الكلام فيما لا ينفع و يجلب المقت . و عيوب كثيرة و آفات اجتماعية عديدة كالغيبة و النميمة مردها لكثرة الكلام .

قَالَ لِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : ” مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ قَلَّتْ هَيْبَتُهُ ، وَمَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَّ بِهِ ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ ، وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ .

و لمعرفة كيف يكشف الكلام عورات مخفيه اليكم هذه القصة الطريفة :

السبت 30 مايو 2015تكبيرتصغيرطباعة
كان العالم الجليل أبو حنيفة يجلس مع تلامذته في المسجد. وكان يمد رجليه بسبب آلام في الركبة قد أصابته. وكان قد استأذن طلابه أن يمد رجليه لأجل ذلك العذر. وبينما هو يعطي الدرس مادّاً قدميه إلى الأمام. إذ جاء إلى المجلس رجل عليه أمارات الوقار والحشمة. فقد كان يلبس ملابس بيضاء نظيفة ذا لحية كثة عظيمة فجلس بين تلامذة الإمام. فما كان من أبي حنيفة إلا أن عقص رجليه إلى الخلف ثم طواهما وتربع تربع الأديب الجليل أمام ذلك الشيخ الوقور وقد كان يعطي درساً عن دخول وقت صلاة الفجر. وكان التلامذة يكتبون ما يقوله الإمام وكان الشيخ الوقور أو ضيف الحلقة يراقبهم وينظر إليهم من طرف خفي.
فقال لأبي حنيفة دون سابق استئذان: يا أبا حنيفة إني سائلك فأجبني. فشعر أبو حنيفة أنه أمام مسؤول رباني ذي علم واسع و اطلاع عظيم فقال له: تفضل واسأل

فقال الرجل: أجبني إن كنت عالما يُتَّكل عليه في الفتوى، متى يفطر الصائم ؟. ظن أبا حنيفة أن السؤال فيه مكيدة معينة أو نكتة عميقة لا يدركها علم أبي حنيفة. فأجابه على حذر: يفطر إذا غربت الشمس.

فقال الرجل بعد إجابة أبي حنيفة ووجهه ينطق بالجدِّ والحزم والعجلة وكأنه وجد على أبي حنيفة حجة بالغة وممسكاً محرجاً: وإذا لم تغرب شمس ذلك اليوم يا أبا حنيفة فمتى يُفطر الصائم؟!!!

وبعد أن تكشّف الأمر وظهر ما في الصدور وبان ما وراء اللباس الوقور قال أبو حنيفة قولته المشهورة التي ذهبت مثلاً و قدكُتِبَتْ في طيات مجلدات السِّيَر بماء الذهب: آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه.

لقد آن لكثيرين ان يكونوا حذرين بكلامهم و لا يكثروا من الحديث فيما لا ينفع .
حتى لا يمد غيرهم رجليه استهتارا بكلامهم ، و خفة عقولهم !

تجمل بالصمت

حتى الكلام السيء نستطيع أن نقوله بشكل جيّد و الكلام الجيّد من الممكن أن نقوله بشكل سيء لهذا، قبل أن تفكروا ما الذي ستقولونه فكروا كيف ستقولنه.. أو اتركوا القول، لتحصلوا على ذهب الصمت.

(محمد الرطيان).
و نعود لشعر الامام الشافعي مرة اخرى :
في مداراة السفهاء ، و عدم الخوض معهم في الجدل العقيم ، و الرد على سفهاتهم و كلامهم ، يقول الشافعي رحمه الله تعالى :

يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ.. فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا
يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلماً … كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا

و تبقى الحكمة التي يكررها كثيرون :
اذا كان الكلام من فضة ، فالسكوت من ذهب .

أضف تعليق